سبايكر.. 12 عاماً على الجريمة التي لا زالت تبحث عن أبنائها

يونيو 12, 2026 - 11:27
 0
سبايكر.. 12 عاماً على الجريمة التي لا زالت تبحث عن أبنائها

في صباح حزين من حزيران عام 2014، لم يكن مئات الشبان العراقيين يدركون أن رحلتهم العسكرية ستتحول إلى واحدة من أبشع المجازر في تاريخ العراق الحديث، ففي قاعدة سبايكر الجوية شمال مدينة تكريت، وقعت جريمة هزّت ضمير العالم وتركت جرحاً مفتوحاً في ذاكرة العراقيين لا يزال ينزف حتى اليوم.

ومع حلول الذكرى الثانية عشرة للمجزرة، تتجدد الأسئلة ذاتها: كم من العائلات ما زالت تنتظر خبراً عن أبنائها؟ وكم من الأمهات ما زلن يعلقن صور المفقودين على الجدران أملاً بعودة مستحيلة؟ والأهم، هل أُغلقت فعلاً جميع ملفات هذه الجريمة التي استهدفت جيلاً كاملاً من الشباب؟

تُعد مجزرة سبايكر واحدة من أكبر الجرائم الجماعية التي ارتكبها تنظيم داعش الإرهابي بعد سيطرته على مدينة الموصل في حزيران 2014، إذ تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن عدد الضحايا تجاوز الـ1700 طالب ومنتسب من القوة الجوية العراقية، جرى اختطافهم وإعدامهم بدم بارد بعد أسرهم في محيط القاعدة العسكرية.

مشاهد الجريمة التي وثقها التنظيم الإرهابي بنفسه أظهرت عشرات الشبان وهم يُنقلون في شاحنات وحافلات إلى مواقع مختلفة في تكريت، قبل أن يُجبروا على الاصطفاف في مجموعات ليتم إعدامهم رمياً بالرصاص وإلقاء جثثهم في نهر دجلة أو دفنها في مقابر جماعية متفرقة.

المقابر الجماعية والبحث عن الرفات

بعد تحرير مدينة تكريت عام 2015، بدأت فرق البحث والتحري ودوائر الطب العدلي عمليات واسعة للكشف عن المقابر الجماعية وانتشال الرفات.

ووفقاً لما أعلنته لجنة تخليد شهداء سبايكر، فقد تم استخراج 1250 رفاتاً لشهداء المجزرة خلال السنوات الماضية، وتسليمها إلى ذويهم بعد إجراء فحوصات الحمض النووي (DNA) للتأكد من هوياتهم.

ورغم هذا التقدم، فإن المأساة لم تنتهِ بعد، فبحسب اللجنة، لا يزال العدد الأكبر من رفات الشهداء مفقوداً، ما يعني أن مئات العائلات العراقية ما زالت تعيش بين الألم والانتظار، دون أن تتمكن من معرفة المصير النهائي لأبنائها أو دفنهم وفق ما تقتضيه التقاليد الإنسانية والدينية.

العدالة والمطالب المستمرة

وفي الوقت الذي استمرت فيه جهود البحث عن الضحايا، تحركت السلطات العراقية لملاحقة المسؤولين عن الجريمة.

وأكدت لجنة تخليد شهداء سبايكر أن التحقيقات والإجراءات الأمنية والقضائية أسفرت عن إلقاء القبض على أكثر من 150 شخصاً متورطاً في المجزرة من عناصر داعش والمتعاونين معهم. 

كما تم تنفيذ أحكام الإعدام بحق 72 مداناً بعد استكمال الإجراءات القضائية وإدانتهم بالمشاركة في الجريمة، فيما لا يزال آخرون بانتظار تنفيذ الأحكام الصادرة بحقهم.

لكن العدالة بالنسبة لعائلات الضحايا لا تقتصر على معاقبة الجناة فقط، فالكثير من ذوي الشهداء يرون أن إنصافهم يتطلب خطوات أوسع تشمل رعاية العائلات المتضررة وتوفير حقوقها القانونية والاجتماعية الكاملة، فضلاً عن توثيق قصص الشهداء وتخليد ذكراهم في نصب تذكارية ومتاحف ومناهج تعليمية تحفظ للأجيال القادمة حقيقة ما جرى.

وخلال المحافل التأبينية التي تُقام سنوياً في محافظة صلاح الدين وعدد من المحافظات العراقية، تتكرر المطالب ذاتها: الكشف عن مصير جميع المفقودين، واستكمال البحث عن المقابر الجماعية المحتملة، وتوزيع قطع الأراضي السكنية الموعودة لعائلات الشهداء، فضلاً عن توفير الدعم المادي والمعنوي المستدام لهم.

ورغم مرور 12 عاماً على المجزرة، ما زالت آثارها حاضرة بقوة في المجتمع العراقي، فكل رقم في قوائم الضحايا يمثل قصة حياة توقفت فجأة، وحلماً لم يكتمل، وعائلة فقدت جزءاً من روحها.

جرح لم يلتئم بعد

تبقى سبايكر أكثر من مجرد حدث أمني أو ملف قضائي، إنها قصة وطن واجه واحدة من أشد المحن التي مر بها، وقصة آلاف العائلات التي تحولت حياتها إلى انتظار طويل. 

وبينما نجحت الجهود الرسمية في كشف جزء من الحقيقة واستعادة مئات الرفات، فإن الحقيقة الكاملة لم تكتمل بعد، طالما أن العدد الأكبر من رفات الشهداء لا يزال مفقوداً.

وفي الذكرى الثانية عشرة للمجزرة، يقف العراقيون أمام أسماء أكثر من 1700 ضحية، مستذكرين حجم الخسارة التي خلفتها تلك الجريمة، كما يقفون أمام مسؤولية وطنية وأخلاقية تفرض استمرار البحث عن المفقودين، وملاحقة جميع المتورطين، وضمان عدم تكرار مثل هذه الجرائم مستقبلاً.

ففي سبايكر لم تُزهق أرواح فحسب، بل كُتبت صفحة دامية في تاريخ العراق، ستبقى شاهدة على وحشية الإرهاب من جهة، وعلى صبر العائلات وتمسكها بالحقيقة والعدالة من جهة أخرى. وبعد اثني عشر عاماً، ما زال الجرح مفتوحاً، وما زالت آلاف العيون تنتظر اليوم الذي تُعرف فيه مصائر جميع أبنائها.

ما هي ردة فعلك؟

مثل مثل 0
عدم الإعجاب عدم الإعجاب 0
حب حب 0
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
واو واو 0