البصرة تستعيد ذاكرة عز الدين سليم.. رحلة الفكر والمقاومة من مضيف الهوير إلى انفجار بغداد
اثنان وعشرون عاماً مرّت، لكن صوت الانفجار الذي دوّى في بغداد صباح السابع عشر من أيار ما زال عالقاً في ذاكرة العراقيين.
وفي ذكرى اغتياله الثانية والعشرين، استذكرت قناة البصرة الفضائية واحداً من أبرز أبناء الجنوب العراقي، الشهيد عز الدين سليم، ابن الهوير والبصرة الذي خرج من بيئة الأهوار البسيطة حاملاً مشروعاً سياسياً وفكرياً كبيراً، ليصبح أحد أهم وجوه المعارضة العراقية ورمزاً من رموز المرحلة التي أعقبت سقوط النظام السابق.
رحل سليم جسداً، لكن سيرته بقيت حاضرة في ذاكرة الجنوب والعراق، بوصفه رجلاً حمل الوطن بين المنافي والسجون، وعاد إليه شهيداً.
الاسم الذي أخفى المطارد
اسمه الحقيقي عبد الزهرة عثمان محمد، لكنه اضطر إلى استخدام اسم “عز الدين سليم” كهوية حركية لحمايته من ملاحقات النظام السابق، الذي حاول اغتياله أكثر من مرة بسبب نشاطه السياسي والدعوي داخل العراق وخارجه.
تعرض للاعتقال خلال سبعينيات القرن الماضي، وقضى سنوات في السجون بين عامي 1974 و1978، قبل أن ينجح في مغادرة العراق سراً بعد تضييق الخناق عليه وصدور حكم بالإعدام بحقه.
استخدم سليم خلال سنوات العمل السري عدة أسماء مستعارة، من بينها محمد أبو المجد وفرج الله منتظر وعبد الله سعيد العبادي ومحمد مزهر، لكن اسم “عز الدين سليم” بقي الأكثر حضوراً واقتراناً بمسيرته السياسية والفكرية.
ابن الجنوب
وُلد الشهيد في ناحية الهوير شمالي محافظة البصرة، وسط بيئة جنوبية ريفية اتسمت بالبساطة والتدين وروح التكافل الاجتماعي.
وفي مضيف والده الحاج عثمان، تشكلت ملامح شخصيته الأولى، حيث المجالس الحسينية والحوارات الاجتماعية وأجواء الكرم والضيافة الجنوبية الأصيلة.
هذه البيئة تركت أثراً عميقاً في شخصيته، فظهر هادئاً، متزناً، قريباً من الناس، قادراً على احتواء المختلفين معه، وهي الصفات التي لازمته حتى في سنوات المعارضة والعمل السياسي.
كما عُرفت منطقة الهوير آنذاك بكونها إحدى البيئات الدينية المؤثرة في جنوب العراق، الأمر الذي دفعه مبكراً نحو الاهتمام بالفكر الإسلامي والعمل الدعوي والتنظيمي.
البدايات التنظيمية
انخرط عز الدين سليم في صفوف الحركة الإسلامية مبكراً، وانضم عام 1961 إلى تنظيم الدعوة الإسلامية في مراحله الأولى، قبل أن يُعرف لاحقاً باسم حزب الدعوة الإسلامية.
وخلال دراسته في البصرة، التقى بعدد من الشخصيات الإسلامية المؤثرة، وأسهم مع مجموعة من الناشطين في تأسيس أولى الخلايا التنظيمية للحركة الإسلامية في شمال البصرة، خصوصاً في منطقة الجزائر والقرنة.
ومع تطور العمل التنظيمي بعد عام 1963، أصبح عضواً في لجنة العمل التابعة لتنظيمات البصرة، وواصل نشاطه السياسي والفكري داخل المدينة، رغم الملاحقات الأمنية المستمرة من أجهزة النظام السابق.
الاعتقال ثم المغادرة
في عام 1975 اعتُقل الشهيد في محافظة البصرة، ونُقل إلى مديرية أمن الديوانية بتهمة الانتماء إلى حزب الدعوة الإسلامية.
وبرغم شدة التحقيقات، لم تتمكن الأجهزة الأمنية من كشف هويته التنظيمية الحقيقية بشكل كامل، ليُطلق سراحه لاحقاً، في حادثة وصفها المقربون منه بأنها كانت أشبه بالنجاة من حكم موت مؤكد.
لكن الملاحقات لم تتوقف، ما اضطره إلى مغادرة العراق سراً باتجاه الكويت نهاية العام نفسه، ليبدأ رحلة طويلة من المنافي والعمل المعارض.
سنوات الكويت
بين عامي 1975 و1980 أقام الشهيد في الكويت، وعمل هناك في مجال التدريس، لكنه واصل في الوقت نفسه نشاطه السياسي والثقافي ضد النظام العراقي السابق.
وبرز دوره داخل “دار التوحيد” إلى جانب شخصيات إسلامية عراقية بارزة، حيث ساهموا في إصدار ونشر كتب ودراسات فكرية كان لها تأثير واسع في الأوساط الإسلامية والثقافية.
كما حافظ على صلاته التنظيمية والفكرية بقيادات المعارضة العراقية، وشارك في صياغة رؤى سياسية وتنظيمية تخص مستقبل الحركة الإسلامية العراقية.
محطة إيران
مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران، انتقل عز الدين سليم إلى طهران مطلع عام 1980، لتبدأ المرحلة الأطول والأكثر تأثيراً في حياته السياسية والتنظيمية.
وخلال أكثر من عقدين، أصبح واحداً من أبرز الوجوه الفكرية داخل صفوف المعارضة العراقية، وامتداداً لمدرسة الشهيد محمد هادي السبيتي في الفكر والتنظيم.
مشروع الإعلام المعارض
أسّس الشهيد مجلة “الجهاد”، التي تحولت لاحقاً إلى صحيفة سياسية وفكرية مؤثرة داخل أوساط المعارضة العراقية.
كما أطلق “المركز الإسلامي للدراسات السياسية”، الذي أصدر تقارير دورية متخصصة بالشأن العراقي والإسلامي لأكثر من عشر سنوات، وأسهم في تعزيز الوعي السياسي لدى جمهور المعارضة في الخارج.
وكان يؤمن بأن المعركة مع النظام السابق ليست عسكرية فقط، بل فكرية وثقافية وإعلامية أيضاً، لذلك ركز على بناء خطاب سياسي وفكري منظم يخاطب العراقيين والعالم.
توحيد المعارضة
ساهم عز الدين سليم في تأسيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، وكان عضواً في إدارته المركزية، كما شارك في مؤتمرات المعارضة العراقية المختلفة.
ولاحقاً أسهم في تأسيس اتحاد القوى الإسلامية، الذي تولى أمانته العامة، في محاولة لتوحيد القوى الإسلامية العراقية تحت مشروع سياسي وتنظيمي مشترك.
وعُرف خلال تلك المرحلة برصانته وهدوئه وقدرته على تقريب وجهات النظر بين القوى السياسية المختلفة.
العودة بعد المنفى
في 17 أيار 2003 عاد الشهيد إلى العراق بعد سنوات طويلة من المنفى والعمل المعارض، بالتزامن مع سقوط النظام السابق ودخول البلاد مرحلة سياسية جديدة.
وبمجرد عودته، انخرط في العملية السياسية، وشارك في عضوية مجلس الحكم الانتقالي، قبل أن يتولى رئاسته الدورية، مساهماً في إدارة واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ العراق الحديث.
طرح الشهيد خلال تلك المرحلة مشروع “دولة الإنسان”، وهي الدولة التي تقوم على العدالة والمواطنة واحترام الكفاءات العراقية بعيداً عن الانقسامات والصراعات الضيقة.
كما أسس ما عُرف لاحقاً بـ”البيت الشيعي”، ليكون إطاراً سياسياً جامعاً للقوى الشيعية، مع تأكيده المستمر على أهمية الشراكة الوطنية مع بقية مكونات الشعب العراقي.
وكان يرى أن المرجعية الدينية يجب أن تبقى فوق الخلافات السياسية، بوصفها مرجعية وطنية وأخلاقية لجميع العراقيين.
صباح الاغتيال
صباح 17 أيار 2004، دوّى انفجار عنيف في بغداد بعد استهداف موكب الشهيد عز الدين سليم بسيارة مفخخة، في عملية اغتيال هزّت العراق في واحدة من أخطر مراحل تأسيس الدولة الجديدة.
والمفارقة المؤلمة أن الشهيد اغتيل في التاريخ نفسه الذي عاد فيه إلى العراق قبل عام واحد فقط.
واستشهد معه رفيق دربه طالب قاسم الحجامي “أبو محمد العامري”، وابن أخيه ابن أسعد عبد الإمام عثمان، إضافة إلى أربعة من أفراد حمايته الشخصية وهم نزار حسين، حسين نعمة خلف، صادق جعفر، وعلي صبار.
ذاكرة لا تغيب
بعد اثنين وعشرين عاماً على اغتياله، ما زال اسم عز الدين سليم حاضراً في ذاكرة العراقيين، ليس فقط كسياسي أو معارض، بل كأحد أبناء البصرة والجنوب الذين حملوا قضية العراق في سنوات السجون والمنافي، وعادوا ليشاركوا في بناء الدولة، قبل أن يدفعوا حياتهم ثمناً لذلك الطريق.
ما هي ردة فعلك؟
مثل
1
عدم الإعجاب
0
حب
2
مضحك
0
غاضب
0
حزين
2
واو
0